زكية الديراني
كان وداع الفنان زياد الرحباني (1956/2025) صباح اليوم نقيّاً وصادقاً مثله. وداع شعبيّ بعيد عن الشعارات السياسية، وخال ممن يُسمّى النجوم اللبنانيين. كان وداعاً من القلب إلى القلب نظّمه أصدقاء زياد، فلبّى الدعوة الفقراء والمساكين الذين لفظتهم الحياة ولمس زياد جراحهم. كان الوداع مؤثّراً من أمام «مستشفى خوري» في الحمرا، عابقاً برائحة زياد، قبل أن ينطلق موكب التشييع الى «كنيسة رقاد السيدة - المحيدثة» في بكفيا.
وداع صادق
كانت الدمعة أصدق فعل على رحيل عملاق شكّل وعياً سياسيّاً واجتماعيًّا في ذاكرة اللبنانيين ووجدانهم.
صدحت أغاني زياد من الدراجة النارية التي يقودها يحيى المصري، الشاب البيروتي، صارخاً بأعلى صوته «العبقري زياد». ثم علا التصفيق الذي اختلط بالدموع على أنغام «شو هالأيام اللي وصلنالل» و«يا زمان الطائفية» و«تلفن عياش». زيّن البعض كتفه بالكوفية الفلسطينية التي لطالما كانت بوصلة في أعماله الفنية. ونثر البعض الورود الحمراء وصور زياد متنقلين بين الحشود.
هذا الوداع الشعبي يليق بزياد، ويُعدّ بمثابة صوت صارخ في وجه الدولة اللبنانية التي لم تُعلن الحداد إثر رحيله. لكن زياد ليس بحاجة إلى حداد وطني ولا شعارات وأكاذيب في ورقة النعي الرسمية، ويكفيه حب هذا الشعب.
تجمّع اللبنانيون لوداعه من دون أي دعوة رسمية ولا بيانات من رئاسة الحكومة أو رئيس الجمهورية، حتى إنّ الدولة لم تتّخذ قرارًا بإغلاق الطريق المؤدي إلى «مستشفى خوري» حيث تجمّع الناس. لكنّ المجتمعين قرروا القيام بتلك الخطوة إفساحاً في المجال أمام محبّي زياد لإلقاء النظرة الأخيرة عليه.
❗️sadawilaya.com❗
لحن لا يزول
النائب السابق بشارة مرهج
الرحيل المبكر للفنان اللبناني العبقري زياد الرحباني يثير الأسى والحزن لدى محبيه وعارفيه وقادري عطاءه الراقي الذي يشهد على ثقافته الواسعة كما على إبداعه ووفائه للقضايا الأساسية في حياة لبنان والعرب. ولقد تفاعلت وتداخلت تلك القضايا السامية مع روحه الصادقة ونظرته الثاقبة ونزعته النقدية واتحدت بها عميقاً لتتحول إلى كلمات مضيئة وألحان جميلة ومعلقات على أبواب البيوت والمدارس والجامعات.
زياد لم يكن أكثر الفنانين اللبنانيين شهرة وإبداعاً فحسب، بل كان، أيضاً، من أكثرهم التصاقاً بالأرض وتمسكاً بالحرية، فجاءت أعماله الفنية تحاكي نبض الناس وتخاطب الجمال المسكون في روعة الفطرة وغنى الأندية والتجمعات كما في زوايا القرى والبلدات والأحياء الشعبية.
فضيلته الكبرى تمثلت باعتماده العقل والبحث إلى جانب الموهبة والسليقة في عمله المتواصل، ليلاً ونهاراً، تنقيباً عن كنوز فنية تفيض من روحه الغنية المتوثبة، أو كنوز مرئية منثورة في التراث الفني العربي يتفاعل معها ويسافر إليها طارقاً أبواب الأندلس وموشحاتها، زائراً سيد درويش وألحانه المفتوحة على انسياب النيل وسحر العيون، عائداً إلى رنين العود في تلال الورد والصخر التي شهدت خطرات عاصي وفيروز ومنصور يوم كانت الينابيع تتدفق أحلاماً وإلهاماً وصوراً محفورة على لوحات الزمن.
أيها الراحل العزيز، مهما باعد بيننا القدر، ستبقى قريباً منا نسمعك ونستعيدك بينما ألحانك الشجية وكلماتك الثرية توافي نبضات القلب وتستقر في ثنايا الروح.